الغزالي
41
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
الجنة ، ولم يعمل بالطاعة فهو كذّاب ، ومن ادّعى حبّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يحب العلماء والفقراء فهو كذّاب ، ومن ادّعى الخوف من النار ، ولم يترك المعاصي فهو كذاب ، ومن ادّعى حبّ اللّه تعالى ، وشكا من البلوى فهو كذاب كما قالت رابعة : تعصي الإله وأنت تظهر حبّه * هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لاطعته * إن المحبّ لمن يحب مطيع وعلامة المحبة موافقة المحبوب ، واجتناب خلافه . حكي : أن جماعة دخلوا على الشبلي رحمه اللّه تعالى فقال : من أنتم ؟ قالوا : نحن أحباؤك ، فأقبل ثم رماهم بالحجارة ، فهربوا منه فقال : لم تهربون مني ؟ لو كنتم أحبائي لما فررتم من بلائي . ثم قال الشبلي رحمه اللّه : أهل المحبة شربوا بكأس الوداد ، فضاقت عليهم الأرض والبلاد ، وعرفوا اللّه حقّ معرفته ، وتاهوا في عظمته ، وتحيّروا في قدرته ، وشربوا بكأس حبّه ، وغرقوا في بحر أنسه ، وتلذّذوا بمناجاته . ثم أنشد : ذكر المحبّة يا مولاي أسكرني * وهل رأيت محبّا غير سكران ويقال : إن البعير إذا سكر لا يأكل العلف أربعين يوما ، ولو حمل عليه أضعاف ما يحمله لحمله ، لأنه إذا هاج في قلبه ذكر محبوبه لا يحب العلف ، ولا يعيا من الحمل الثقيل لاشتياقه إلى محبوبه . فإذا كان من شأن الإبل أن تترك شهوتها ، وتحمل الحمل الثقيل لأجل محبوبها ، فهل أنتم تركتم شهوة محرّمة لأجل اللّه تعالى ؟ وهل تركتم طعاما وشرابا لأجل اللّه تعالى ؟ وهل حملتم على أنفسكم حملا ثقيلا لأجل اللّه تعالى ؟ فإن لم تفعلوا شيئا من الخيرات مما ذكرت فدعواكم اسم بلا معنى ، لا تنفع في الدنيا ولا في العقبى ، ولا عند الخلق ولا عند الخالق . وعن عليّ كرّم اللّه وجهه قال : من إشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ، ومن خاف النار نهى نفسه عن الشهوات ، ومن تيقّن الموت هانت عليه اللّذات . وسئل إبراهيم الخوّاص عن المحبة فقال : محو الإرادات ، وإحراق جميع الصفات والحاجات ، وإغراق نفسه في بحر الإشارات .